فصل: مسألة قام بذكر حق له ممحو على رجل فطلبه فادعى أنه قد قضاه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة حصد الزرع ودرس وجاء الغرماء فطلب الولد في الزرع إجارة ما حصدوا:

من كتاب العرية وعن رجل توفي وترك ولدا وترك زرعا قد أفرك، فلما حصد ودرس جاء غرماء الميت ولم يترك مالا غير الزرع فطلب الولد في الزرع إجارة ما حصدوا ودرسوا، هل ترى ذلك لهم؟
قال ابن القاسم: نعم، ذلك لهم يأخذون إجارة ما عملوا فيه.
قال محمد بن رشد: هذا بين لا إشكال فيه، إذ لا يلزم الورثة أن يحصدوه ويدرسوه للغرماء من أموالهم، وبالله التوفيق.

.مسألة سلف دنانير في عبد موصوف إلى أجل فمات قبل أن يدفع العبد:

وفي رجل سلف رجلا دنانير في عبد موصوف إلى أجل فمات الذي عليه العبد قبل أن يدفع العبد كيف يحاص أهل الدين؟
وهل يجوز له أن يأخذ ثمنه منه وإن كان اشترى منه قمحا؟
قال ابن القاسم: يحاص أهل الدين بقيمة تلك السلعة ما كانت، فما صار له في المحاصة اشترى له به ما بلغ من حقه، ويكون ما بقي دينا له على الغريم يتبعه به إن بلغ ما صار إليه في المحاصة نصف عبد أو ثلث عبد اشتري ذلك له، واتبعه بنصف عبد أيضا إن كان الذي صار له في المحاصة نصف عبد، وإن كان أقل أو أكثر من ذلك فإنما يتبعه بما نقص من العبد.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يحاص أهل الدين بقيمة تلك السلعة ما كانت، يريد قيمتها حالة خلاف قول سحنون إنه يحاص له بقيمتها إلى أجلها.
وقد مضى هذا المعنى وغيره من معاني المسألة في رسم القبلة من سماع ابن القاسم.
وإذا وقف ما صار لهم بالمحاصة ليشتري لهم به ما بلغ من حقوقهم فحال السعر بزيادة اتبعوا الغريم بالنقصان، وإن حال بنقصان لم يرجع الغرماء عليهم بالفضل إلا أن يكون فيما صار لهم أكثر من حقوقهم فيردوا الفضل على الغرماء، قاله ابن حبيب في الواضحة، وهو بيان وزيادة في المسألة، والأصل في ذلك أن الرخص والغلاء للغريم وعليه؛ لأنه موقوف على ملكه، ولو تلف لكانت مصيبته منه ولم يلحق سائر الغرماء من ذلك شيء، وبالله التوفيق.

.مسألة رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه:

وعن الرجل يفلس فيوقف السلطان ماله ويكون في ماله دابة لرجل، فيموت الغريم الذي عليه الدين قبل أن يقسم السلطان ماله، فيجد صاحب الدابة دابته هل تراه أحق بدابته من الغرماء؟
قال مالك: إذا وقفت له فهو أحق بها وإن مات الغريم قبل أن يقبضها، وإن مات الغريم قبل أن توقف له فهو أسوة الغرماء.
قلت: ما يوقف له أليس إذ أفلس ووقف ماله فهو أحق بدابته وإن لم يجيء إلا بعد موت المفلس إذا لم يقسم ماله؟
قال: لا يكون وقف ماله وقفا حتى توقف له الدابة بعينها، يتعلق بها فلس فيقول هذه دابتي وتوقف له حتى يثبتها.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة صحيحة مفسرة لما في كتاب الهبات من المدونة. والأصل فيها قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره»؛ لأنه إذا وقف له ليثبته ففد أدركه، وبالله التوفيق.

.مسألة السكوت هل يعد إذنا في الشيء وإقرارا به أم لا:

وسئل: عن رجل جاء قوما فقال أنا أشهدكم أن لي على فلان كذا وكذا دينارا وفلان ذلك مع القوم في المجلس ساكت فلم يقل نعم ولا لا، ولم يسأله الشهود عن شيء، ثم جاء يطلب ذلك قبله فأنكر أن يكون عليه شيء، هل يلزمه شيء؟
قال: نعم، ذلك لازم إذ سكت ولم يقل شيئا.
قال محمد بن رشد: اختلف في السكوت هل يعد إذنا في الشيء وإقرارا به أم لا على قولين مشهورين في المذهب منصوص عليهما لابن القاسم في غير ما موضع من كتبه: أحدهما هذا: أنه إذن، والثاني: أنه ليس بإذن، وهو قول ابن القاسم أيضا في سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح وفي سماع أصبغ من كتاب المدبر.
وأظهر القولين أنه ليس بإذن؛ لأن في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» دليلا على أن غير البكر بخلاف البكر في الصمت.
وقد أجمعوا على ذلك في النكاح، فوجب أن يقاس ما عداه عليه إلا ما يعلم بمستقر العادة أن أحدا لا يسكت عليه إلا راضيا به فلا يختلف في أن السكوت عليه إقرار به، كالذي يرى حمل امرأته فيسكت ولا ينكر ثم ينكره بعد ذلك وما أشبه ذلك. وقد مضى هذا في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب النكاح وفي غير ما موضع من كتابنا هذا، وبالله التوفيق.

.مسألة قام بذكر حق له ممحو على رجل فطلبه فادعى أنه قد قضاه:

وسئل: عن رجل قام بذكر حق له ممحو على رجل فطلب منه ما فيه وأقام عليه بما فيه البينة، فادعى الغريم أنه قد قضاه إياه ومحاه عنه، فهل يلزمه الحق أو ما ترى؟
فقال ابن القاسم: يلزمه الحق إذا ثبتت البينة ويحلف بالله ما قضاه ولا محاه عنه.
وعن رجل قام بذكر حق على رجل ممحو وأقر صاحب الحق أنه محاه وظن أنه قد قضاه وله بينة على ما في هذا الذكر الحق قال الغريم قد قضيته وما محاه إلا من قبض، فما ترى؟
قال ابن القاسم: يحلف الغريم بالله لقد قضاه ولا شيء عليه، وهذه مخالفة للأولى؛ لأن هذا قد أقر له بأنه محاه.
قال محمد بن رشد: الفرق بين المسألتين بين على ما قاله، ولا اختلاف في المسألة الأولى.
وأما الثانية فيتخرج فيها بالمعنى اختلاف حسبما ذكرته في أول رسم من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة يبتاع العبد بماله بدين إلى أجل ففلس مشتريه وقد مات العبد:

وسألته: عن الرجل يبتاع العبد بماله بدين إلى أجل ففلس مشتريه وقد مات العبد في يده وبقي ماله أو بقي العبد وفات ماله.
قال: إذا وجد العبد وفات ماله بانتزاع من السيد فاستهلكه أو غير ذلك أو استهلاك من العبد أو بوجه من الوجوه فإنه يقال له إن شئت فخذ العبد ولا شيء لك غيره، وإن شئت فدع وحاص فيه وفي جميع ماله المفلس بمالك عليه، فإن اختار العبد فلا شيء له غيره إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا ماله على المفلس ويأخذوا العبد فذلك لهم.
وإن كان العبد قد فات فوجد ماله فإنه لا سبيل إلى مال العبد ولا خيار له في ذلك وهو أسوة الغرماء في مال العبد والمفلس.
قلت له: وإن كان مال العبد رقيقا أو عروضا قائمة معروفة؟
قال: وإن كان معروفا فلا سبيل له إليه، وقال: مال العبد ضعيف، ألا ترى أن مالكا قال: لو أن رجلا ابتاع عبدا بماله فذهب بعض ماله أو كله في عهدة الثلاث لم يكن له أن يرده لما ذهب من ماله، ولو أنه وجد به عيبا وقد ذهب ماله رده ولم يكن عليه فيما ذهب من ماله شيء، إلا أن يكون انتزعه منه فيكون عليه أن يرد معه ما انتزع من ماله مما اشتراه به.
قلت: فما اكتسبه عنده أله أن يحبسه إذا رده بالعيب وقد كان انتزعه منه قبل أن يظهر على العيب، أعليه أن يرده مع العبد إذا رده بالعيب؟
قال ابن القاسم: قال مالك: إذا رده رد معه ما اكتسب من ماله كان عنده اكتسبه أو اشتراه به فانتزعه أو كان في يده فإنه يرده ويرد ماله.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة صحيحة جارية على أصولهم في أن مال العبد تبع له، ولا اختلاف أحفظه في شيء من وجوهها إلا في مجرد انتزاع مال العبد في التفليس هل هو فوت فيه بخلاف الرد بالعيب أو ليس بفوت فيه مثل الرد بالعيب؟ فقيل: إنه ليس بفوت فيه مثل الرد بالعيب.
وإذا فلس مشتري العبد بعد أن انتزع ماله وهو قائم بيده لم يتلف ولا استهلكه بعد أن البائع أحق به يأخذه مع العبد إن شاء أخذ العبد وترك محاصة الغرماء، كما أن مشتري العبد إذ وجد به عيبا بعد أن انتزع ماله وهو قائم بيده لم يكن له أن يرده إلا بماله، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية بدليل قوله فيها: وفات ماله بانتزاع من السيد فاستهلكه، إذ لم ير مجرد الانتزاع في المال فوتا فيه إلا أن يستهلكه السيد، وسواء استهلكه بالانتفاع به مثل أن يكون طعاما فيأكله أو ثوبا فيستهلكه باللباس أو بما لا منفعة له فيه، مثل أن يكون عبدا فيقتله أو يعتقه أو يهبه أو يتصدق به، الحكم في ذلك كله سواء، هو في التفليس فوت بخلاف الرد بالعيب، إذ ليس لمشتري العبد أن يرده بالعيب بعد أن استهلك ماله بشيء من هذه الوجوه إلا أن يرد قيمة ذلك معه. وقيل: إن مجرد الانتزاع فيه فوت.
وإذا فلس المشتري بعد أن انتزع المال وهو قائم بيده فليس للبائع أن يأخذه، وهو بالخيار بين أن يأخذ العبد بجميع الثمن وبترك ماله، أو يتركه ويحاص الغرماء بجميع الثمن فيه وفي ماله وفي سائر مال المفلس، بخلاف الرد بالعيب، إذ ليس للمشتري أن يرد العبد بعد انتزاع ماله إلا أن يرثه معه، فإتلاف مال العبد فوت في التفليس وفي الرد بالعيب، تلف قبل الانتزاع أو بعده، يكون الحكم في ذلك كله بمنزلة إذا لم يكن له مال.
واستهلاك المشتري إياه قبل الانتزاع أو بعده يفترق فيه التفليس والرد بالعيب، يكون الحكم فيه في التفليس بمنزلة إذا لم يكن له مال، وفي الرد بالعيب لا يرده إلا أن يرد معه قيمة ما استهلك من ماله أو مثله في ماله مثل.
ومجرد الانتزاع إذ كان المال قائما بيد المبتاع يختلف فيه في التفليس على قولين: أحدهما: أن الانتزاع فوت كالتلف، والثاني: أنه ليس بفوت فيه ويكون للبائع أن يأخذه مع العبد إن أراد أخذه، وفي الرد بالعيب ليس له أن يرده إلا بماله.
وسواء في هذا كله ابتاع المشتري العبد بماله أو اكتسبه عنده بتجارة أو وهب إياه، إلا أن يكون السيد هو الذي وهبه إياه أو اكتسبه عنده من عمل يده فلا يكون للبائع فيه حق لا في التفليس إن أراد أن يأخذه ولا في الرد بالعيب إن رد عليه.
والحكم في مال العبد في الاستحقاق بخلاف هذا، للمستحق أن يأخذ مال العبد من يد المشتري وإن كان العبد قد مات عنده قبل الاستحقاق.
والفرق في هذا بين الاستحقاق وبين التفليس أن العبد في الاستحقاق لم يخرج عن ملك مستحقه فكان له أن يأخذ ماله سواء وجد العبد أو لم يجده، وكذلك له أن يغرم المشتري الذي استحق العبد من يده قيمة مال العبد إن كان قد استهلكه، وجد العبد أو لم يجده، ويأخذه من يد الموهوب له إن كان وهبه، وبالله التوفيق.

.مسألة الصائغ يفلس فيقر لقوم بمتاع عنده ولا بينة لهم إلا قوله:

وعن الصائغ يفلس فيقر لقوم بمتاع عنده ولا بينة لهم إلا قوله، هل يقبل قوله: إذا قال هذا لفلان ولا بينة لهم، أو أقر بدين لرجل عليه وليس له بينة، أيأخذ مع من أقام البينة أم لا؟
قال: سمعت مالكا يقول غير مرة: إن إقراره بالمتاع جائز لأهل المتاع.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها في أول رسم من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، ومضى تحصيل القول فيها أيضا في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم من كتاب تضمين الصناع، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة يبيع الغزل من الرجل فيستنسجه ثوبا ثم يفلس فيوجد الثوب في يده:

وسألته: عن الصناع إذا صنع أحدهم لرجل عملا فقال له صاحب المتاع: هات ما عملت لي وسآتيك بحقك، أو وخره أياما ثم فلس قبل أن يتقاضى الصانع أجرة عمله، هل يكون الصانع أولى بذلك الشيء الذي عمله فيه من الغرماء إذا وجده بعينه حتى يتقاضى حقه؟
قال: إن كل صنعة صنعها صانع لرجل لم يجعل فيها أكثر من عمل يديه مثل الخياطة والقصارة والصياغة ونحو ذلك من الأعمال، فإذا خرجت من يده بما ذكرت فليس هو أولى بها، وإن وجدها فهو أسوة الغرماء بأجر عمله الذي وجب له عليه في جميع مال المفلس، وكل صانع أخرج من عنده عمله شيئا سوى عمله فأدخله في ذلك الشيء مثل الصباغ يجعل الصباغ والصيقل يجعل متاع السيف والفراء يسترقع الفرو فيجعل من عنده الجلود، فإن هؤلاء ونحوهم إذا أدركوا السلعة قائمة بعينها نظر إلى قيمة الصبغ الذي في الثوب كم قيمته لا يبالي نقص ذلك الصبغ الثوب أو زاده، ثم ينظر كم قيمة الثوب أبيض وكم قيمة الصبغ.
وإنما ينظر قيمة ذلك يوم يحكم فيه، فإن كان قيمة الصبغ خمسة دراهم وقيمة الثوب أبيض عشرة دراهم كان لصاحب الصبغ ثلث الثوب ولغرمائه ثلثاه إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه جميع ما واجبه عليه المفلس من الأجر ويأخذوا الثلث فذلك لهم، أو يرضى هو أن يكون أسوة الغرماء في مال المفلس بجميع حقه فيكون ذلك له.
وإن لم يرض أن يكون أسوة الغرماء ولم يرض الغرماء أن يفتكوا ذلك الثوب، فالثلث له بالغ ما بلغ ثمنه وإن زاد على أجره الأول أضعافا أو نقص أضعافا من أجره الأول أضعافا، فإذا أسلم إليه فيه ثلثه فله نماؤه وعليه نقصانه، وهو بمنزلة الرجل يبيع الغزل من الرجل فيستنسجه ثوبا ثم يفلس فيوجد الثوب في يده، فإن صاحب الغزل مخير إن شاء أسلمه وكان أسوة الغرماء، وإن أبى نظر إلى قيمة الغزل وقيمة العمل عمل الثوب، فإن كان قيمة الثوب الغزل خمسة دراهم وقيمة العمل عشرة دراهم أو قيمة العمل خمسة دراهم وقيمة الغزل عشرة دراهم كان هو والغرماء شركاء في الثوب، هذا بقيمة الغزل والغرماء بقيمة العمل، إلا أن يشاء الغرماء أن يعطوه جميع حقه ويستخلصوا جميع الثوب فذلك لهم، وإن أبوا وأسلموا إليه ما صار له في الثوب كان ذلك له ولم يكن له أكثر من ذلك نقص الثمن الذي صار له في الثوب عن ثمن الغزل أو زاد فذلك له، إذا أسلم إليه كان له نماؤه وعليه نقصانه، وليس له في مال المفلس أكثر مما له في الثوب وإن نقص الذي صار إليه في الثوب أضعاف ثمن الغزل ليس له أكثر من ذلك، وليس ينظر في هذا إلى ثمن الثوب، ربما كان ثمن الثوب أدنى من قيمة العمل وربما كان قيمة الغزل أكثر من جميع الثوب، وإنما ينظر إلى قيمة الغزل وقيمة عمل الثوب فيكونون فيه شركاء في الثلث والثلثين أو النصف أو ما كان فيضربون بذلك السهم في ثمن الثمن، فقس ما يرد عليك من الصناعات والغزل ونحوه مما يعمل على ما فسرت لك، والله الموفق للصواب.
قال محمد بن رشد: الأصل في مسألة الصانع يفلس الذي استأجره والشيء الذي استعمل إياه بيده قبل أن يدفعه إليه أو بعد أن دفعه إليه وفي مسألة الغزل التي أدخلها عليها ونظرها بها- قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره»؛ لأن الصانع بائع للصنعة التي استؤجر على عملها، فإذا أفلس المستأجر قبل أن يدفع الأجرة والسلعة بيد الصانع لم يدفعها بعد فلا اختلاف في أنه أحق بالسلعة من الغرماء حتى يستوفي أجرته؛ لأنها كالرهن في يديه، ولا اختلاف في هذا.
وأما إذا أفلس قبل أن يدفع الأجرة وقد قبض السلعة معمولة، فإن لم يكن للصانع فيها غير عمل يده مثل أن يكون ثوبا فخاطه أو قصره أو غزلا فنسجه أو فضة فصاغها وما أشبه ذلك، فالمشهور أنه أسوة الغرماء، وهو قوله في هذه الرواية، وقيل: إنه أحق بعمله، فإن شاء أخذه بأجرته وكان شريكا للغرماء في المتاع المعمول بقيمة عمله فيه، وإن شاء تركه وكان أسوة الغرماء، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم في هذا الكتاب.
وهذا إذا علم أن الصانع لم يأخذ أجرته ببينة قامت على ذلك، مثل أن يكون دفع إليه المتاع معمولا على أن يأتيه بأجرته بحضرة بينة.
وأما إن فلس والمتاع بيده معمولا فلا يصدق بعد التفليس أنه لم يدفع الأجرة على أصولهم في أن المفلس لا يجوز إقراره بعد التفليس.
وأما إن كان له فيها شيء قد أخرجه من ماله سوى العمل، مثل الصباغ يصبغ الثوب بصبغة أو الرقاع يرقع الثوب برقاعة أو الصيقل يجعل متاع السيف من عنده وما أشبه ذلك فلا اختلاف في أنه أحق بما أخرج من ذلك كله من عنده؛ لأنه قائم بعينه كالسلعة المبيعة يدركها البائع في التفليس قائمة لم تفت.
وأما عمل يده المستهلك فيكون أحق به على رواية أبي زيد التي ذكرناها، ولا يكون أحق به على رواية عيسى وهو المشهور في المذهب حسبما ذكرناه.
فيكون على قياس رواية أبي زيد إذا أبى الغرماء أن يعطوه جميع أجرته بالخيار بين أن يكون أسوة الغرماء بجميع أجرته، وبين أن يكون أحق بقيمة ما جعل في السلعة من عنده من صبغ أو رقاع وبقيمة عمل يده، يكون بذلك كله شريكا للغرماء في السلعة، بأن يقال كم قيمة السلعة غير معمولة؟
فإن قيل: عشرة، قيل: كم قيمة ما أخرج فيها من عنده وكم قيمة عمل يده؟
فإن كان قيمة ما أخرج فيها من عنده خمسة وقيمة عمل يده خمسة كان شريكا للغرماء فيها بالنصف، والقيمة في ذلك يوم الحكم على ما نص عليه في هذه الرواية.
وقد قيل: إنه يكون شريكا فيها بما زاد عمله فيها من صبغ أو غيره، قاله ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وهو بعيد في القياس، إذ قد يزيد عمله فيها أضعاف قيمته وقد لا يزيد فيها إلا بعض قيمة عمله، وقد لا يزيد فيها شيئا، وقد ينقص من قيمتها، فالقياس أن يكون شريكا بقيمة ما أخرج من عنده من صبغ وعمل يوم يحكم بالغا ما بلغ، كما يأخذ البائع في التفليس سلعته إذا وجدها قائمة زادت قيمتها أو نقصت.
وأما على قياس رواية عيسى هذه وهو المشهور في المذهب فلا يكون إذا أبى الغرماء أن يعطوه جميع أجرته أحق إلا بقيمة ما أخرج من عنده، وهو الذي يكون به شريكا.
وأما قيمة عمل يده فقيل: إنه يكون به أسوة الغرماء وهو القياس، وقيل: إنه لا يكون له فيه شيء، وإنما يقال له أنت بالخيار بين أن تحاص الغرماء بجميع أجرتك، وبين أن تكون شريكا لهم في السلعة بقيمة ما أخرجت فيها من عندك خاصة دون عمل يدك، وهو ظاهر رواية عيسى هذه، ولا يحمله القياس.
ومسألة الغزل التي ساقها على هذه المسألة ومثلها بها صحيحة لا اختلاف أحفظه فيها ولا إشكال في شيء من معانيها، والحجة بها لإيجاب الشركة للصانع فيما أخرج من عنده بينة واضحة، ولم ير النسج في الغزل المبيع فوتا، ومثله البقعة تبنى.
وفي كتاب محمد أن الرجل إذا باع جلودا من رجل فقطعها المشتري نعالا ثم فلس فلا يكون البائع أحق بها؛ لأنها قد فاتت، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ في الثوب يقطعه قميصا أو ظهائر، والخشبة يعمل منها توابت وأبوابا.
والفرق عندهم بين ذلك وبين الغزل ينسج والبقعة تبنى أن البقعة والغزل قائم بعينه إلا أنه قد زيد فيه غيره، والقطع في الثياب والجلود نقصان فيها وإفاتة لها.
وقد وقف مالك في رواية مطرف عنه في الثياب تقطع فقال: ما أدري ما هذا لو كانت أدما فقطعت خفافا أو نعالا وتفاوت هذا لم أره شيئا، وإن كان شيئا متقاربا لم يأت فيه فوت فأراه أحق به من الغرماء.
والذي يوجبه عندي فحص القياس على ما أجمعوا عليه في الجارية يصيبها عور أو عمى أو الثوب يخلق أو يبلى أن صاحبه أحق به إن شاء أن يأخذه بجميع الثمن أن لا يكون القطع في الثياب ولا في الجلود فوتا، وأن يكون لصاحبها أن يأخذها مقطوعة ناقصة بجميع الثمن إن شاء، وأن يكون شريكا مع المبتاع فيها بقيمة الخياطة والعمل إن لم يأت حتى خيطت الثياب أو عملت النعال من الجلود، إلا أن يكون القطع فيها فسادا لها مثل أن يقطع الثوب تبابين وهو لا يقطع من مثله تبابين، أو الجلد نعالا وهو لا يقطع من مثله نعال، فيكون ذلك فوتا فيها بمنزلة البلى والفساد في الثوب إذا تفاحش جدا.
وإذا كان عور الجارية أو نقصان الثوب من جناية قد أخذ لها المبتاع ثمنا نصف ثمنهما مثلا فإن صاحبها الغريم مخير بين أن يأخذها بنصف حقه ويحاص الغرماء بالنصف الباقي أو يتركها ويحاص الغرماء بجميع حقه، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه حقه كاملا فلا يكون له كلام، وبالله التوفيق.

.مسألة من تقاضى منه شيئا قبل أن يفلس فهو له دون الغرماء:

ومن كتاب أوله يوصي لمكاتبه بوضع نجم من نجومه:
وسألته: عن الرجل يكون عليه دين للناس وقد غرق في الدين إلا أنه لم يفلس بعد ولم يوقف للتفليس ففطن به بعض غرمائه أنه قد غرق في الدين فيبادر إليه فيتقاضى منه حقه ثم يعلم الغرماء بذلك ويقومون على تفليسه.
قال: قال مالك: من تقاضى منه شيئا قبل أن يفلس فهو له دون الغرماء، وإن كان قد أحاط الدين بماله وغرق في الدين فمن تقاضى منه شيئا ما دام قائم الوجه وهو يتاجر الناس فهو له.
قال ابن القاسم: وإن كان الذي تقاضى منه قد فطن لعدمه وبادر الغرماء فذلك له دون الغرماء.
قلت: فلو كان جميع الغرماء قد تشاوروا في فلسه وأرادوا أن يفلسوه إلا أنهم لم يرفعوا ذلك بعد إلى السلطان ولم يقفوه للتفليس بعد إلا أنهم قد تشاوروا في فلسه فخالف بعض الغرماء فتقاضى منه، أيكون له ذلك؟
قال: لا أرى ذلك له، وهو بين جميع الغرماء.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم هذا: إن قضاء الغريم بعض غرمائه بعد أن تشاوروا في تفليسه لا يجوز- هو مفسر لأحد قولي مالك في المدونة، والقول الثاني: أن قضاءه لا يجوز وإن لم يتشاوروا بعد في تفليسه، وأصبغ يرى قضاءه جائزا وإن تشاوروا في تفليسه ما لم يفلسوه، فهي ثلاثة أقوال، أظهرها ما اختاره ابن القاسم من قولي مالك أن قضاءه جائز ما لم يتشاور الغرماء في تفليسه، وبالله التوفيق.

.مسألة يواجر الرجل ببقرة ليدرس له فيدرس النهار ثم يفلس صاحب الزرع:

وسألت ابن القاسم: عن الرجل يواجر الرجل ببقرة يدرس له زرعا فيدرس النهار وينقلب الليل، ثم يفلس صاحب الزرع، قال: الدارس أولى بالطعام حتى يستوفي إجارته.
قال الإمام القاضي: قال ابن المواز: لأنه وإن انقلب في الليل فإن الأندر بحاله لا ينقلب به صاحبه، بخلاف الصانع في دار الرجل مثل الخياطة والصياغة وما أشبه ذلك من الأعمال فينقلب ويتركها، فلا يكون الصانع أحق بها من الغرماء.
وقول محمد بن المواز صحيح؛ لأنه ما لم يتم عمل الزرع فله حكم كونه بيده وإن غاب عنه بالليل لما يلزمه من حفظه حين مغيبه عنه.
وكذلك لو أكمل عمله ما لم يسلمه إلى ربه بأن يقول له: خذ زرعك فقد أكملت عمله هو أحق به؛ لأنه كالرهن بيده ضمانه منه إن ضيعه.
ولو فلس صاحبه بعد أن أسلمه إليه لكان أسوة الغرماء فيه وفيما سواه من ماله بجميع أجرته.
ويأتي على قياس رواية أبي زيد في النسج أن يكون أحق من الغرماء بقيمة عمله في الزرع يكون له فيه شريكا.
وقد مضى هذا المعنى في الرسم الذي قبل هذا، وتأتي المسألة متكررة في سماع أبي زيد، وسنتكلم عليها إذا مررنا بها إن شاء الله تعالى.

.مسألة الذي أقر بالاقتضاء لا يصدق فيما ادعاه إن كان إقراره على وجه الشكر:

وسئل: عن رجل لقي رجلا فقال: أشهدك أني قد تقاضيت من فلان مائة دينار كانت لي عليه فجزاه الله خيرا فإنه أحسن قضائي فليس لي عليه قليل ولا كثير، فلقي الرجل الذي أشهده الرجل الذي زعم أنه قد قضاه فقال له: قد لقيني فلان فزعم أنك قد قضيته مائة دينار كانت له عليك وقد أشهدني على ذلك، فقال: قد كذب إنما أسلفته مائة دينار، فالقول قول من؟
قال ابن القاسم: القول قول من زعم أنه أسلفه مع يمينه إلا أن يأتي الآخر ببينة أنه قد تقاضاها في دينه.
وقال ابن القاسم: هي بينة. قال أبو حمزة: وكذلك قال المخزومي.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في آخر كتاب المديان من المدونة، ومثل ما في رسم المكاتب من سماع يحيى أن الذي أقر بالاقتضاء لا يصدق فيما ادعاه من أنه اقتضى ذلك من حق واجب له إن كان إقراره على وجه الشكر، قال ذلك في هذه الرواية من قوله في كتاب الشهادات من المدونة.
وفي سماع سحنون بعد هذا من هذا الكتاب أن من أقر للرجل أنه أسلفه فقضاه- يصدق في دعوى القضاء إذا كان إقراره بالسلف على وجه الشكر.
والفرق عندي بين أن يقر الرجل للرجل أنه أسلفه على وجه الشكر فقضاه فينكر المقر له الاقتضاء، وبين أن يقر أنه اقتضى منه حقا له قبله على وجه الشكر له في أنه أحسن قضاءه فينكر أن يكون كان له عليه حق ويطلبه بما أقر أنه اقتضاه منه- هو أن السلف معروف آتاه الله وفضل تفضل به عليه يلزمه شكره لقول الله عز وجل: {اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14]، ولقوله: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]، ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من آلت إليه يد فليشكرها» الحديث، فحمل عليه أنه إنما قصد إلى أداء ما تعين عليه من الشكر، لا إلى الإقرار على نفسه بوجوب السلف عليه، إذ قد قضاه إياه على ما ذكر، وحسن القضاء واجب على من عليه أن يفعله، فلم يجب على المقتضي أن ينكره، فلما لم يجب ذلك عليه وجب ألا يكون له تأثير في الدعوى وأن يكون القول قول القاضي؛ لأن المقتضي قد أقر بالقبض ويدعى أنه كان له عليه حقا فلا يصدق في ذلك على مذهب ابن القاسم، ويأتي على أصل أشهب في قوله: إنه لا يؤخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه أن يكون القول قول المقتضي؛ لأنه لم يقر أنه قبض منه إلا ما له عليه، وهو قول ابن الماجشون نصا في هذه المسألة بعينها.
ويقوم من هذه المسألة أن من كان له حق على رجل بوثيقة فدفع الذي عليه الحق ذلك الحق إلى الذي له الحق ودعا إلى قبض الوثيقة منه أو تخريقها أن ذلك ليس له، وإنما له أن يشهد عليه وتبقى الوثيقة بيد صاحب الدين؛ لأنه يدفع بها عن نفسه، إذ لعل الذي كان عليه الدين يسترعي بينة قد سمعوا إقرار صاحب الدين بقبضه منه أو حضروا دفعه إليه ولم يعلموا على أي وجه كان الدفع، فيدعي أنه إنما دفع إليه ذلك المال سلفا أو وديعة ويقول هات بينة تشهد لك أنك إنما قبضت ذلك مني لحق واجب لك، فبقاء الوثيقة بيده وقيامه بها يسقط عنه هذه الدعوى التي تلزمه.
وكان شيخنا الفقيه أبو جعفر رَحِمَهُ اللَّهُ يقيم ذلك فيما أخبرني عنه غير واحد من أصحابنا وأنا أشك أن أكون سمعته منه من آخر مسألة من كتاب المديان من المدونة، وهو كلام صحيح، إلا أن محمد بن عبد الحكم يرى أنه من الحق أخذ الوثيقة وقطعها، وهو قول عيسى بن دينار في بعض روايات العتبية، وقول أصبغ في الواضحة مثله في المرأة تقوم على ورثة زوجها بكتاب فيه بقية صداقها وليس بكتاب نكاحها إذا أخذت ما فيه نقدا ولم تأخذ عما فيه أرضا أو عقارا، ولا أعلم من يخالفهم في ذلك نصا، وإنما اختلف أصحاب مالك في كتاب النكاح إذا قامت به على ورثة زوجها وقبضت ما كان لها فيه من حق وأبت من دفعه، فقال مطرف: إن للورثة قبضه منها وقطعه، وقال أصبغ: ليس ذلك لهم.
وأما إذا أبى الذي بيده الوثيقة من الإشهاد على نفسه بقبض ما فيها وقال للذي كان عليه الدين خذ الوثيقة أو قطعها فتلك براءتك، فليس ذلك له ويلزمه الإشهاد على نفسه، يقوم ذلك من غير ما مسألة، منها مسألة في رسم العرية من هذا السماع، وبالله التوفيق.